السبت، 10 أبريل 2010

قالب..

كثيرًا ما كنت أقرر أنني يجب أن أكتب عن أيامي في مصر.. والحقيقة أني لم أكتب شيئًا مذ عدت.. لا أعرف ما يعني ذلك ولكني بلا شك أفضل..
أشعر أن الحياة الحقيقية يصعب وصفها بالكلام لأن مساحات الخيال دائمًا ما تكون أقل..
في الماضي لم يكن إلا الخيال وهمًا ومتنفسًا وملجئا.. لكنه الآن لم يعد له وجود.. وهذا من رحمة الله

في حوار اليوم مع زميل عمل وصديقة عزيزة -جمعتنا ظروف الاغتراب القهري- كان كل منا يحكي عن أيام قضيناها في مجتمع يدفعك دفعًا للجنون أو الانتحار.. ضحكنا وكل منا غير مصدق أننا قد نجونا.. ودون ترتيب قلنا معا: الحمد لله إننا في مصر
"بعين كل منا ألم ما".. قلت لصديقتي ذلك ونحن نهبط درجات السلم الطويلة.. وهي تسجل ملاحظتها "بعينيه حزن".. كم يحتاج أولئك الذي اقترفت ضدهم جرائم في حق نشأتهم الطبيعة لرحمة ووعي.. نظل نبكي حتى نفهم.. فإذا ما فهمنا تجف دموعنا ونمضي بإصرار إلى نجاتنا.. ولكن تبقى هذه النظرة كبصمة ربما تعني فيما بعد أن "وراء كل عظيم ألم عظيم"..

لا يمكن أن نعرف متى نشأت القوالب.. ومتى بدأ الناس يتقولبون.. ومتى أصبحت تلك الأصناف الغريبة نسخ مقلدة من بعضها، فما إن ينطق أحدهم بجملة في أقصى الشمال ترى نظيره في غياهب الجنوب يكملها وهو بلا شك لم يلتقيه ولم تكن أي ظروف لهما تتشابه..
تصنف القوالب الإنسان حسب عمره، فالقالب في أول العمر يفترض منك أن تكون ولدًا مطيعًا و"أروبًا" في نفس الوقت تحفظ النكات وتلاطف الغرباء.. ثم تدخل المدرسة وتدور عليك تروس الحياة وتجبر أن توضع رغمًا عنك مرة في قالب التفوق اللامتناهي في كل ما ومالا تتخيله ثم عليك أن تتبع الخريطة المرسومة من قبل الجد العاشر للعائلة حتى تليق بالقالب المثالي في اختيار الدراسة، الوظيفة، الزواج..

هل يمكنك بعد كل هذا أن تثور على أحد هذه القوالب.. هل هذا متصور أصلا؟؟
إن المشكلة تكمن في عدم تخيلنا أو معرفتنا بأن هذا يمكن.. لكننا عندما نكتشف.. -في النادر- تجد أن ما يحدث هو تبادل القوالب.. فأنا سأخرج من هذا القالب الذي لا يناسبني لأدخل أو يدخلني أحدهم في قالب آخر يختلف أو يتشابه -لا يهم- "تعددت الأسباب والموت واحد"..

قررت أن أعيش بلا قالب..
يكفيني قلبي..

وهئنذا أدندن مع المذياع البعيد..

"جربت ألف محبة ومحبة.. فوجدت أفضلها محبة ذاتي"

الأحد، 28 مارس 2010

أسيــــرات..

من المؤكد أن سبع سنوات ليست كافية ليكون صاحبها ذا حكمة في الحياة.. فأيًا كانت حكمة أحدهم فإن هناك -بلا شك- أمورًا لم يطلع عليها.. وأحداثًا لم تواجهه فليس هناك صاحب العلم الكامل أو الإدراك الكامل..
لكننا ننظر حولنا ونجاهد لنفهم ما يدور بالخارج.. بغض النظر عما يقول الآخرين وما يؤمنون به، فإننا في زمن أصبح الدين فيه والغلبة لما يقول العرف.. حتى إن كان هذا العرف قاتلا للنفس..
دعونا لنتحدث عن الزواج.. كمثال بسيط..

- العرف يدعو لأن تتزوج الفتاة -بدءًا من الخامسة عشرة حتى التاسعة عشرة- بأسرع وقت حتى يتم الضحك عليها -وهي لسا هبلة- ولما تفيق تجد أنها نكبت بأبناء تمارس عليهم العقد النفسية التي ضغطت عليها في حياتها التعسة.
- العرف يدعو للزواج "عالبركة" يأتي العريس المجهول يوم السبت فتكون الخطوبة يوم الأحد وكتب الكتاب يوم الأربعاء والخميس الزواج الميمون، ثم يتم تطليقها من العريس بعد اكتشافهم أنه "من عيلة مش قد كدة ".
- العرف يقنع الفتاة بداية من سن الخامسة والعشرين وصاعدًا أنها أصبحت غير صالحة للحياة وأن عليها أن تقبل بذكر معاق ذهنيًا أو بآخر متزوج من ثلاث قبلها أو لديه عشرة أبناء من غيرها بسبب أنها أصبحت (عانس) ويجب أن تموت.
- العرف يدعو الفتاة دائمًا أن تكون عديمة الخبرة بالحياة والناس وأن تنتظر الذكر الكامل الذي "يشكلها كما يريد" وهذه هي الفتاة المثالية التي يقبل عليها الذكور.
- العرف يوهم الفتاة دائمًا أن هناك حياة وردية حالمة يكللها الزواج.. والحب.. وأن الحياة ستتحول بريشة سحرية إلى سعادة لا منتاهية وضحك وفرح بلا حدود.. ويتخلى عنها الجميع عندما تصدم بغير ذلك.
- العرف يبرمج الفتاة أن تكون "تابع" لأي رجل مهما كان.. فهي لا تستطيع أن تحمل مسئولية نفسها -اجتماعيًا أو ماديًا أو على أي وجه- بالتالي يجب أن ينمو لديها الشعور بالحاجة وبالذل لرجل ما ويجب أن تنفذ ما يريد بالمقابل حتى تعيش.
..
تبقى الفتاة تبحث عن الحب وعن التفاهم والحياة الحالمة التي طالما سمعت عنها من كل الناس ومن جميع الطبقات الفكرية.. والحقيقة أن العلاقة بالرجل هي عذاب أزلي فلا يوجد رجل حنون ومحب ومتفان ومتسامح إلا إذا كان يحب فتاة لا تطيقه أو يشعر أنها لا تحبه بالقدر المناسب لحبه لها.. حتى إذا ما "مالت" إليه مجرد ميل تجد أن طبيعته قد غلبت عليه وقد ظهرت أنيابه مسنونة وجاهزة لأن تجهز عليها.. فتجد كل المتزوجين -مهما كانوا سيقتلون أنفسهم على زوجاتهم قبل الزواج- تجدهم يتشاركون في أحاديث ذكورية عن المرأة ومساوئها وأن الزواج هو ابتلاء و "كنتي فين يا لأ لما قلت آه" ويشعرون أن هذا من باب صقل العضلات -غير الموجودة أصلا- وما أن ينتهي هذا الحديث حتى يبدأ حديث آخر عن التعدد ومزاياه وكيف أن كل منهم -يحلم- أن تكون له عشر زوجات يدللنه وينتظرنه بعد عودته المشئومة من يومه الأسود..

هكذا خلقهم الله.. ولذلك فإن من تحتمل أحدهم وتصون حياتها معه لها الجنة وعدنا بذلك ولم يوعدوا به.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم "استوصوا بالنساء خيرًا" وقال "إنهن عوان عندكم" وقال أن "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" والمؤلم أنه كان يقول ذلك في أمة تمم لها مكارم أخلاقها التي ذهبت الآن مع تراكم الأجيال ولم يبق منها إلا الذكرى الحسنة..
شدد عليه السلام في ضرورة معاملة البنات باللين والحسنى وإكرامهن والمبالغة في ذلك.. حتى يكون لديهن مخزون كامن من الحب والعطف والمروءة يستعملنه مع شدائد الأيام مع الزواج.. ولم يشدد على فضل الأم وأهمية إكرامها والوقوف إلى جوارها ثلاث أضعاف الوقوف بجانب الأب.. ليس لأن فترة الحمل عصيبة ولا لأنها تربي.. فبعض الأمهات لا يحملن ولا يربين ولكنهن ببساطة يتعذبن في الحياة.. ولو نظرنا مليًا فإن الرجل الذي لديه في منزله مربية وخادمة -واحدة ترعى ابنه والأخرى ترتب المنزل والزوجة الأم تعيش في فراغ- لا شك يتعب أكثر من زوجته لأجل الأبناء ويهتم أن يكون لهم حياة كريمة بالمقابل هي لا تهتم أبدًا ومع ذلك فإن الوصية من أجلها أكبر ويجب على الابن أن يجبر خاطرها وأن يخفف عنها من عذابها..

الأوهام التي تقدم للفتيات والتي تطعم بالحب المطلق -سواء أكان للحب المؤدي للزواج أو للـ "الحب بيجي بعد الجواز"- كلاهما يخدعون الفتاة بقولهم أن فخ الحب هو الحل لكل شيء.. وتبقى قليلة الفهم تبحث عن وهم لا وجود له بهذا الشكل الذي تم تصويره لهن..
كاذبة كل الكذب من تدعي أنها لم تغضب أبدًا ولم تحزن ولم تجرح من حبيب تحول إلى زوج أو لم يتحول.. بقي الحب أم زال.. فلا يكون الأسير سعيدًا على الإطلاق أبدًا.. إنهن أسيرات وهذه هي الحقيقة.. يختلف الأسر من مكان لآخر.. مكان يعاملهن معاملة آدمية وآخريات يعاملن معاملة العبيد.. فكرة الأسر واحدة.. ويبقى الأمل في الخلاص أن من أحسنت واستطاعت أن تصمد برضا "لها الجنة"
الغرض من هذه الأسطر ألا نخدع نحن الفتيات بما يقوله المجتمع المخادع الذي لم يستطع أن ينفع نفسه ولم يخرج لنا على مدى أجيال أي رجال ينظر لهم.. هؤلاء الذين يتشدقون بالمثاليات و"الي ينفع والي مينفعش" وفي النهاية لا نستطيع إلا أن نقول لو كانت هذه الأفكار تنفع لكانت من باب أولى نفعت أهلها.. ولو كانت هذه هي الطريقة السحرية لإصلاح المجتمع ولإنجاب أبناء يحررون المسجد الأقصى لكان من باب أولى أيضًا أن خرج هؤلاء الرجال من أبناء المحاربين في الحروب التي حدثت قبل أن نولد.. "بلا خيبة"

هذه ليست دعوة للعزوف عن الزواج.. وإنما هي دعوة لتمييز الغث عن السمين.. وللدخول في تجربة الزواج "على نور" حتى لا تشعر إحداهن بالظلم والخديعة وأنها "كانت فاكرة الجواز حاجة تانية خالص" فإذا كان الله قد قال لنا أن الإنسان خلق في كبد فمن الغباء أن نظن أن الزواج منزوع الكبد ومليء بالـ "مجات والدباديب" فإذا دخلت الفتاة الحياة الزوجية وهي على دراية تامة بما يحدث فيها من الرجل -أيًا كان نوع الزيجة- فإن هذا التوقع سيفيدها كثيرًا في تصالحها مع الحياة بعد ذلك.. وربما -ربما- تستطيع أن تنجب أبناء أسوياء..

من الوطن..

عرفت نفسي من قبل بالسحابة التي لم تستقر في وطن بعد..
وكنت سحابة لا مطر لها لأنه ليس ثمة وطن..
كنت.. "لا أمطر إلا في وطني"..

أعتقد أنه قد آن أوان المطر..

لقد عدت لوطني

أهلا بكم مرة أخرى :))